الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

11

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

1 - كيف نشأت البيوع والمعاملات ؟ الذي يظهر من مراجعة المجتمعات البدوية والموجودة في زماننا أيضا ، أنّ البيع عندهم يكون بمبادلة الأعيان بالأعيان ، مثلا من كانت عنده كميّة كبيرة من الحنطة زائدة عن حاجته ، فإنّه يعطي بعضها لغيره ، ليأخذ ما عنده من الثياب أو غيرها ، فالبيع يكون بهدف الحصول على ما يحتاج الإنسان إليه من خلال بذل ما يحتاج إلى غيره وأخذ ما يحتاجه منه . ولكن هذه العملية تستبطن مشاكل جمّة على مستوى التبادل التجاري بين الناس : « منها » مشكلة عدم توفّر العوض الذي يحتاج إليه صاحب الحنطة مثلا أحيانا لعدم حاجة صاحب الثياب إليها ، لأنّ المعاملات على هذا الفرض تدور مدار حاجة الطرفين فقط ، فلا تجري في غير هذه الموارد . و « منها » مشكلة ادخار كميات كبيرة من أجناس مختلفة للتوصّل إلى ما يحتاج إليه في عملية المبادلة بواحد منها ، وغير ذلك من المشاكل . نعم لما كانت مبادلة العين بالعين تتضمّن هذه المشاكل العظيمة ، مسّت الحاجة إلى ما يكون قليل الحجم ، كثير القيمة ، لا يندرس بسرعة ويمكن حمله بسهولة ليجعل عوضا في جميع المعاملات ، فوجدوا الذهب والفضة جامعتين لهذه الصفات ، فجعلوا الأول للمبادلات الخطيرة ، والثاني لليسيرة ، وأيسر منهما النقود المتخذة من سائر المعادن . ولما كثر حجم المعاملات ، واتسع نطاقها ، وزادت عددها ، رأوا أنّ الدراهم والدنانير أيضا لا تقومان بما يحتاج إليه الإنسان في هذا المجال ، لما فيهما من كثرة الحجم في المعاملات الخطيرة ، مثلا إذا كان ثمن معاملة مليون درهما ، فإنّها قد تربو على ألفين كيلو بحسب الوزن قريبا . هذا مع ما في نقلهما من أنواع المشقّة والخطر في السفر وفي ادخارهما في الحضر ، بل قد لا يكون في بعض الاصقاع الكمية اللازمة من الذهب والفضة للمعاملات الخطيرة